إنتاج الكتاب: الورقي والإلكتروني بين خيارات التعايش والصراع

إعداد عبد اللطيف الجعفري

في خضم الثورة الرقمية التي غزت مختلف المجالات، ينتشر على نطاق واسع ما يعرف بالكتاب الإلكتروني الذي يزاحم الكتاب الورقي ويدخل معه في صراع وجود.

وإذا كان الكتاب الإلكتروني قد ساهم في حل مختلف الإكراهات والإشكالات بالنسبة لعدد من الكتاب الذين يجدون صعوبات كبيرة في نشر أعمالهم من خلال الكتاب الورقي نظرا لضيق ذات اليد، فإن آخرين ما زالوا رغم كل شيء يعضون بالنواجد على كل ما هو ورقي ضمن ألفة ووفاء لا تنفك صنعتها سنوات طوال.

هذا الوضع يخلق في بعض الأحيان جدلا حول مستقبل الكتاب الورقي وقدرته على الصمود في مواجهة زحف الرقمنة الذي لا يرحم، ويجعلنا نتساءل “هل الكتاب الورقي ما يزال فعلا مطلوبا في زمن لا حديث فيه إلا عما توفره التكنولوجيات الحديثة من إمكانات واسعة للإنتاج المعرفي والقراءة؟”.

فهناك في الوقت الراهن إمكانية تحميل أي كتاب من الشبكة العنكبوتية وقراءته دون استهلاك ورقة واحدة وهو ما يقدم خدمة كبيرة للبيئة، لكن ذلك لا يعني إلغاء الكتاب الورقي الذي يحضر بقوة في مختلف المعارض والمكتبات والخزانات، لأنه بكل بساطة يشكل جزءا من وجدان وذاكرة الذين يعشقون كل ما هو ورقي.

قبل سنوات تم تداول قرص على نطاق واسع يحمل بين طياته 276 عددا من مجلة “عالم المعرفة ” التي يصدرها المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب في الكويت، وهي خطوة تتيح إمكانيات واسعة من أجل الإطلاع على مجلة أشبعت الفضول المعرفي للقراء العرب وغيرهم لسنوات طوال.

وهناك حاليا الآلاف المؤلفة من الكتب المنشورة عبر الشبكة العنكبوتية والتي يجد فيها كل شخص مبتغاه، بالمقابل هناك مكتبات وخزانات تعج بملايين الكتب من مختلف التخصصات، فضلا عن وجود فئة عريضة من الناس ما تزال مرتبطة ارتباطا وثيقا بالكتاب الورقي وهو ما يبرر الإقبال الكبير على معارض الكتاب والنشر.

لهذا السبب تحديدا ينقسم الناس في تعاطيهم مع الكتاب إلى فريقين إن لم يكن أكثر، بل هناك من يجد في نشر الكتاب الرقمي تكاملا مع نشر الكتاب الورقي، كنشر نسخة ورقية ثم نسخة إلكترونية من نفس الكتاب، وهو ما يضمن انتشارا واسعا ضمن عملية القراءة واستهلاك المعرفة.

الكاتبة المغربية فتيحة النوحو تقول في تصريح لوكالة المغرب العربي للأنباء، إنها تفضل القراءة في الكتاب الورقي لأنه يمنح لها مساحة من الراحة النفسية ولا يرهقها مثل الكتاب الإلكتروني.

وقالت في هذا السياق ” بالنسبة لي أفضل الكتاب الورقي لأنه يغمرني بطاقة باطنية أتشربها من منبعه الطبيعي، ويمنحني حرية اصطحابه معي لأي مكان.. اختار الوضعية التي تريحني وأنا أتلصص على سطوره وألتهم صفحاته كطبق صحي بدون أشعة أو انقطاع الشحن”.

فكثيرة هي المتع التي يوفرها لنا الكتاب الورقي، تضيف، منها متعة الحصول على إهداء بخط يد الكاتب.

وتعتبر الكاتبة أيضا أنها تقدم على الكتاب الرقمي مرغمة حينما يكون المحتوى غير متوفر لديها، ” لكنه يرهقني وأنا أطالعه .. ربما المقالات أو النصوص القصيرة تليق بهذا الحامل الآلي أكثر، لذا أخشى على أن يضمر حجم الكتب بفعل هذا الإكراه”.

في سياق متصل استطردت قائلة “ربما الميم التي اندست في الحروف المتشابهة في كل من الورقي والرقمي هي التي خلقت خصوصية الحامل، لكن إذا تأملنا سنجد أنه ربما تلك الميم تحيل على المدون الذي يجمع بين الاثنين، في حين يستبعد الكتاب الشفهي عن دائرة التدوين”.

وتابعت أن الكتاب الورقي والرقمي يستندان على عملية الرقن فيما الحوامل هي التي تُباين بينهما، لكن في علاقة القارئ بهذا أوذاك تتشكل فروقات كثيرة .. فالتفضيلات تمارس حسب الخلفية السيكولوجية لأي متلقي، والتي تتبعها خيارات نفعية مجانية أحيانا.

ويبقى السؤال الأساسي الذي يطرح نفسه هو: “هل يستمر التعايش بين الورقي والرقمي أم سيتحول في فترة ما إلى صراع وجود حسب متطلبات الناس وحاجاتهم؟”.

إن إقامة معارض كبيرة للكتاب الورقي والنشر في العالم بأسره والإقبال الكبير عليها مع وجود خزانات ومكتبات يدل على أن الكتاب الورقي ما يزال يحافظ على بريقه رغم ما يعتمل داخل الشبكة العنكبوتية.

فهذا الوضع سيستمر إلى حين، والمستقبل هو الكفيل بتحديد حاجيات الناس من الرقمي والورقي .. فعالم الرقمنة رغم أهميته محفوف بمخاطر كبيرة لها صلة بالأمن السبيراني والاختراقات والأعطاب، وهو ما يجعل كل ما هو الكتروني ليس مضمونا في كل الأوقات والأزمنة .. وقد صدق المثل الذي يقول ” الجديد له جده، والبالي لا تفرط فيه”.